الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنبلية إلى أن للزوجين حق فسخ عقد النكاح بالعيب.
واختلف الفقهاء في كون العيوب الموجبة لفسخ عقد النكاح محصورة في عيوب محددة، أو أنها غير محددة، والأقرب – والله أعلم – أن كل عيب يفوِّت مقصود النكاح أو يوقع ضررًا بالغًا بأحد الزوجين، ولم يكن معلومًا أو مرضيًّا به، فإنه يثبت به حق الفسخ.
بعض العيوب المشهورة التي يرد بها عقد النكاح:
1- العُنَّةُ: وهي عجزُ الرجل عن الجماع.
2- الجَبُّ: وهو قطعُ الذَّكَرِ كلِّه بحيثُ لم يَبْقَ منه ما يَطَأُ به.
3- الخِصاءُ: وهو نزعُ الخُصْيَتَيْنِ.
4- الرَّتْقُ بالنسبةِ للمرأة: وهو انسدادُ الفَرْجِ باللَّحم.
5- القَرَنُ: وهو انسدادُ الفَرْجِ بعَظْمٍ.
6- الجُنُونُ والجُذامُ والبَرَصُ: وهي عيوبٌ قد تكون في أحد الزوجين.
شروط فسخ عقد النكاح بالعيب:
1- أن يكون العيب موجودًا قبل العقد.
2- عدم العلم بوجود العيب عند العقد.
3- عدم وجود ما يدل على الرضا بالعيب بعد علمه بوجوده.
4- ألَّا يكون العيب مما يرجى زواله.
والأصل في المسلم الصدق والأمانة والنصيحة، فلا ينبغي للمسلم أن يخدع غيره، ولا أن يخذله بل ينصح له، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» [البخاري: 57].
فالنصيحة شاملة في البيع والشراء والزواج وغيره، فإذا كان هناك عيب فلا بد من بيانه، وعندها يختار الزوج أو يرفض، أو الزوجة؛ لأن الزواج عقد مؤبد، فلا بد أن تقوم الحياة الزوجية على المودة والانسجام، فإن شعر أحد الزوجين أن شريكه أخفى عنه، أو دلس عليه، أو غبنه، ربما تكون المآسي بعدها، والآثار السيئة، وعدم الاستقرار، ولربما يصل الأمر إلى الطلاق، وتشتيت العائلة فحري بنا أن نكون محتاطين.
وعليه؛ فإذا كانت هذه الزوجة قد علمت بالعيب منذ زواجها، ورضيت بالبقاء على أمل زواله أو علاجه، ثم تبيَّن لها بعد مضي السنين استمرار العجز وتعذر حصول مقاصد النكاح من المعاشرة والولد والاستقرار الأسري، فلها أن تطلب الطلاق أو الفسخ، وتبدأ بالسعي إلى التراضي مع زوجها، فإن لم يحصل الاتفاق رفعت أمرها إلى القاضي لينظر في حالها ويقدر المصلحة بحسب ما يثبت لديه من الوقائع.
ولا تأثم بطلبها التفريق إذا ثبت العيب وتعذر استمرار الحياة الزوجية؛ لأن من حق الزوجة أن تنال حقوقها الشرعية من المعاشرة والسكن والمودة والذرية، والله تعالى أعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة