الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فالزواج له مقاصد كثيرة، وهو عقد وميثاق غليظ، كما قال الله تعالى: وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 21 [النساء: 21].
وله أركان وشروط(الرضا والولي والشهود والمهر) إن تم بذلك كان صحيحا وإلا فهو باطل.
وإذا اشترط في عقد النكاح شرطٌ ينافي مقصود النكاح أو يفضي إلى إبطال آثاره الأساسية، كاشتراط ترك الوطء بالكلية أو إسقاط الحقوق الزوجية إسقاطًا دائمًا، فالأصل أن العقد صحيح، وأما الشرط ففي صحته خلاف بين الفقهاء، والراجح بطلانه لأنه أسقط حقا ثابتا للزوجة.
فإن تنازلت الزوجة بعد العقد عن بعض الحقوق، كحقها في القسم أو المبيت، فلها ذلك إذا كان بمحض إرادتها، ولم يكن هناك إكراه أو ضغط، ولها الرجوع عن هذا التنازل متى شاءت.
ورد ذلك عن بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.[ البخاري: 2542]
وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِ سَوْدَةَ»[ ابن ماجه، صحيح: 1972].
والتنازل من السيدة سودة رضي الله عنها عن حقها من القسم كان بمحض إرادتها؛ إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم لعلمها بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ولكبر سنها.
فإذا تم عقد النكاح مستوفيًا أركانه وشروطه، ثم اتفق الزوجان بعد العقد، وبرضا الزوجة التام، على تأخير المبيت أو الجماع مدةً معينة لعذرٍ معتبر، فلا حرج في ذلك، مع بقاء حق الزوجة في الرجوع عن هذا التنازل متى شاءت. أما اشتراط ترك الجماع أو المبيت على وجه الدوام فلا يجوز؛ لمخالفته مقاصد النكاح الأساسية.
وعليه؛ فإذا كانت لديك مشكلة صحية أو نفسية أو ظرف خاص يمنعك من المبيت أو الجماع مدةً مؤقتة، فلا حرج في الزواج مع اتفاق الزوجة بعد العقد على ذلك ورضاها، على أن يكون الأمر مؤقتًا، وألا يترتب عليه ضرر أو نزاع. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة