الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيقول
الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}
[البقرة: 154].
ويقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}
[البقرة: 282].
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» [أخرجه مسلم رقم 1886 (6/ 38)].
والواجب على المسلم أن يرتبط بالقرآن فيعمل به ويحتاط لنفسه ولغيره، فيكتب الديون سواء عليه أم له، حتى إذا باغته الموت لم يضع حقه ولا حق غيره.
والإنسان يحتاج لغيره فينشئ بيتًا أو مصلحةً أو زواجًا، فيحتاج إلى المال فيقترض من غيره، ويثبت ذلك في كتاب وشهود، ولنعلم جميعا أنه من استدان مالًا ونوى السَّداد سدَّدَ اللهُ عنه، ومن لم ينو السداد يتلفه الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يريد إتلافها أتلفه الله) [أخرجه البخاري رقم 2257 (2/ 841)].
وعليه فالميت بشكل عام والشهيد بشكل خاص إذا أخذ المال واستدانه ونوى السداد، بأن استدان لأمر مباح كالبناء، وكتب ذلك في كتاب وأشهد عليه أهله، فمات فلا يحبس عن دخول الجنة بسبب دينه؛ لأن نيته سابقة ونية المرء خير وأبلغ من عمله.
أما من استدان من غير حاجة أو لحاجة ولكنه مماطل، فما نوى السداد ولا كتب ذلك في كتاب، وكان غنيًا وجاء موعد السداد وماطل فيه، فهذا هو المتوعَّد بالحبس عن دخول الجنة، ولا يغفر له إلا بالسداد أو عفو الدائن، ولو قتل في سبيل الله؛ لأن مطل الغني ظلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) [أخرجه البخاري رقم 2167 (2/ 799)].
فالمسلم يبرئ ذمته، ويقضي ديونه إن استطاع، وإلا يكتب ذلك في كتاب ويشهد عليه الشهود، فإن باغته الموت فلا يحبس ولا يعاقب. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة