الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالأشهر الحرم هي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
وكانت هذه الأشهر معظمةً في الشرائع السابقة، وعظَّمها العربُ في الجاهلية، وجاء الإسلام فأقرَّ تعظيمَها، قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].
فالمعصية فيها أشدُّ من غيرها، والطاعة فيها أكثر ثوابًا من غيرها.
والأصل في الصيد الإباحة، ولا يحرم إلا لسبب، وتحريم الصيد متعلق بأمرين (الزمان أو المكان):
الأمر الأول- ما كان متعلقًا بالزمان فيحرم الصيد في زمن الإحرام بالحج أو العمرة، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95].
الأمر الثاني- ما كان متعلقًا بالمكان فيحرم الصيد في حرمي مكة والمدينة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ. [رواه البخاري، رقم 1702 (6/ 365)].
(ولا ينفر صيدها) وتحريم الصيد من باب أولى.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ» [رواه البخاري، رقم 1873 (3/ 21)].
وضابط الصيد المحرَّم: هو كل حيوان بري متوحش مأكول اللحم.
ويمكن إجمال صور تحريم الصيد فيما يأتي:
1- كون الصائد محرِمًا بحج أو عمرة، وكون الصيد بريًا، لقول الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96].
2- كون الصيد في الحرمين لقول الله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67].
3- كون الصيد مملوكًا للآخرين، فلا يجوز التعدي على حرمة الآخرين.
4- كون الصيد على طريقة أهل الجاهلية، كالإهلال لغير الله تعالى، قال الله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل: 115].
5- كون الصيد للهو لا للفائدة، فهو مكروه، بل وحرمه بعضهم، سيما إذا أشغل عن ذكر الله وعن العبادات؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وقَالَ مَرَّةً سُفْيَانُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ» [رواه أبو داود بسند حسن، رقم 2859 (3/ 111)].
وعليه فالصيد في الأشهر الحرم جائز، غير أنه لا بد من التنبيه على أمر مهم في المسألة، وهو كراهة الصيد في وقت التفريخ -الربيع-، فلربما كان الصيد له فراخ فلا تجد من يطعمها، فمن الشفقة والرحمة ترك الصيد في زمن التفريخ. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة