الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالشركة الصحيحة هي التي سملت أركانها، وخلت من الشروط الفاسدة، ولها أنواع متعددة، منها:
1- شركة العِنان: يشترك اثنان فأكثر بمالهما وعملهما، كأن يشترك زيد وأحمد في شركة مقاولات، فيدفع كلٌ منهما 10,000 دينار، على أن يعملا معًا، والربح مناصفة بينهما.
2- شركة الأبدان: يشترك اثنان في العمل دون المال، كاشتراك زيد وعمرو في مهنة النجارة أو الحدادة.
3- شركة المضاربة: يشترك اثنان، أحدهما بالمال، والآخر بالعمل، كاشتراك محمود بماله (5000 دينار) وبكر بجهده وعمله.
4- شركة الوجوه: يشترك اثنان ذَوَا جاه في شركة، معتمدَين على مكانتهما، فيكون الشراء بالدين، فإذا تم البيع سدَّدا الديون لأصحابها.
وهذه الأنواع لها أركان وشروط، وهي ليست محلَّ اتفاق بين الفقهاء من حيث تلك الأركان والشروط.
فإذا تم عقد الشركة، واستوفت أركانها وشروطها كانت صحيحة، أما إذا اختل ركن أو شرط منها كان العقد باطلًا عند الشافعية، فليس له أثر، ويكون فاسدًا عند غيرهم، حيث يصحح الشرط الفاسد أو يزال الخلل ليكون العقد صحيحًا، وهذا ما أرجحه.
أمثلة على عقد الشركة الفاسد أو الباطل:
1- اشتراط أحد الشريكين لنفسه ربحًا محددًا.
2- كون الشركة على مجهول، أو من غير مال أصلًا.
3- كون الشركة على مال مغصوب أو مسروق.
4- وجود شرط يخالف مقتضى العقد، كاشتراط أحد الشريكين أن يكون له في الربح دون تحمل الخسارة.
إلى غير ذلك من أمثلة.
وحكم الشركة الفاسدة أنها تفسخ، أو تصحَّح.
أذكر أمثلة على ذلك:
المثال الأول- اشترك مالك ومؤمن في تجارة الأسمنت، فدفع كل منهما 10,000 دينار، على أن يأخذ مالك ربحًا مقطوعًا قدره (500 دينار) شهريًا.
فهذه شركة فاسدة لا يجوز المضي بها، ونتبع الخطوات الآتية في هذه الشركة:
1- يردّ رأس المال لكل شريك (10,000 دينار).
2- يُلغى الشرط الفاسد.
3- ينظر في الأرباح أو الخسائر الحاصلة قبل الفسخ:
فإن كان ربحٌ، قُسِّم بحسب رأس المال، لا بحسب الشرط الفاسد؛ فلو ربحت الشركة 1,000 دينار مثلا، قسم بينهما بالتساوي لكلٍ (500 دينار).
وإذا كانت خسارة، قسمت كذلك بحسب رأس المال، فالغرم بالغنم، فلو خسرت الشركة 1,000 دينار مثلًا فتقسم الخسارة عليهما بالتساوي أيضًا على كلٍ (500 دينار).
المثال الثاني- أعطى سامرٌ محمدًا مبلغًا من المال (5,000 دينار) يتجر به في تجارة السكر على أن يكون لمحمد ربحٌ مقطوعٌ (100 دينار) مثلًا، فهذا العقد يسمى مضاربة، وشرطها كون الربح نسبة معلومة لا مقطوعة، ولما اشتمل العقد على جهالة وظلم، كان فاسدا، ويجب فسخه واتباع الآتي:
1- رد رأس المال لصاحبه (سامر).
2- الأرباح التي حصلت تقسم بين رب المال (سامر) والعامل (محمد) بما يتفقان عليه، أو يُعطى العامل أجرةَ مثله.
3- الخسارة إن حصلت تحملها رب المال (سامر)، ويتحمل العامل (محمد) جهده.
فلو كان الربح 200 دينار، فلا يجوز أن يأخذ العامل (محمد) 100 دينار كما اتفقا؛ لأن هذا ربا، ويجوز في هذه الصورة الاتفاق بينهما على نسبة معينه مثل 50% لكل واحد، 200×50% = (100 دينار) لكل منهما.
أو يكون 70% لسامر، و30% لمحمد، فيكون لسامر 200×70%=(140 دينار)، ويكون لمحمد 200×30%= (60 دينار).
ولو خسرت 200 دينار فيتحملها رب المال (سامر) ويتحمل محمد تعبه فقط.
المثال الثالث- اشترك بكر وزيد وخالد في تجارة الزيت فدفع بكر (1,000 دينار)، وزيد (1,000 دينار)، وخالد (500 دينار).
وكان الشرط أن يكون الربح بينهم كالآتي:
1- الربع(25%) لبكر.
2- الربع(25%) لزيد.
3- النصف(50%) لخالد مقابل المال والإدارة.
أولًا- الربح
يجوز توزيع الربح من غير نظر إلى نسبة المال المدفوع، يكون 'الربح على ما يُشترط، والخسارة على قدر المال' هذه قاعدة فقهية.
فلو ربحوا 1,000 دينار فتقسم كما يأتي
يستحق بكر 1,000× 25% =(250 دينار)
ويستحق زيد 1,000× 25% =(250 دينار)
ويستحق خالد 1,000× 50% =(500 دينار)
ثانيًا- الخسارة
يكون 'الربح على ما يُشترط، والخسارة على قدر المال'.
فالربح هنا بحسب الاتفاق (25%، 25%، 50%) لا إشكال.
والخسارة تكون بحسب نسبة المساهمة في رأس المال، فلو كانت الخسارة (1,000 دينار) مثلًا، تكون الخسارة بنسبة كل شريك في رأس المال، كالآتي:
يتحمل بكر 1,000 ÷ 2,500 ×100= (40%) وقدرها 1,000×40% =(400 دينار)
ويتحمل زيد 1,000 ÷ 2,500 ×100=(40%) وقدرها 1,000×40% =(400 دينار)
ويتحمل خالد 500 ÷ 2,500 ×100=(20%) وقدرها 1,000×20% =(200 دينار)
المثال الرابع- اشترك ناهد وشاهر في تجارة القمح ليدفع كل واحد منهما 5,000 دينار ويكون الربح بينهما بالتساوي(50%) لكل واحد
ويتحمل الخسارة ناهد فقط
هذه الصورة غير جائزة؛ لمخالفتها مقتضى العقد فالقاعدة: 'الخسارة على قدر المال، والربح على ما يُشترط'.
ولما كان رأس المال متساويًا كان الربح متساويًا (50%) لكل شريك، وتكون الخسارة أيضًا متساوية (50%).
إذن: الشركة بهذه الصورة غير صحيحة شرعًا، إلا إن تم تعديل شرط الخسارة.
الحل أن يُقسم الربح والخسارة حسب المال (50% لكل منهما).
فلو ربحت الشركة 500 دينار فيكون لكل واحد من الشريكين 250 دينارا
وكذا لو خسرت 500 دينار فيتحمل كل واحد منهما 250 دينارا.
حكم اجتماع أكثر من نوع من الشركات في شركة واحدة
الراجح أنه لا مانع من اجتماع أكثر من نوع من الشركات في شركة واحدة ما خلت من الغبن والغرر
المثال الخامس- اشترك عمرو وزيد في شركة مقاولات ليدفع عمرو مالًا (50,000 دينار) دون عمل ويدفع زيد مالًا (30,000 دينار) ويعمل بالشركة مديرًا لها، على أن توزع الأرباح كالآتي:
يكون 30% لعمرو، و70% لزيد فهذه شركة عنان ومضاربة.
فمثلًا إذا كان الربح 10,000 دينار
فيكون نصيب عمرو 10,000 x 30% =(3,000 دينار).
ويكون نصيب زيد 10,000 × 70% =(7,000 دينار).
وهنا اجتمعت شركة عنان ومضاربة: للاشتراك بالمال والعمل من طرف واحد فقط.
وهذا جائز لأن رأس المال محدد من كل طرف ومحدد فيها من يعمل ومن لا يعمل ومحددة نسبة الربح أيضًا.
وتكون الخسارة على قدر المال، لا على العمل، فعمرو يتحمل خسارة بنسبة ما دفع 50,000 دينار، وزيد بنسبة 30,000 دينار، ولا شيء على العمل.
فإذا كانت الخسارة 10,000 دينار
فيتحمل عمرو هذا المبلغ 50,000÷80,000×100= 62.5%، وهو 6,250
ويتحمل زيد هذا المبلغ 30,000÷80,000×100=37.5%، وهو 3,750
ولا يجوز أن يتحمل زيد أكثر من نسبة ماله (37.5%).
فلا يتحمل عمرو 10,000× 30% =(3,000 دينار).
ولا يتحمل زيد 10,000 × 70% =(7,000 دينار).
وإنما يتحمل كل بحسب رأس ماله.
المثال السادس- أنشأ بكر وخالد شركة دفع كل منهما 7,000 دينار، على أن يكون الربح لبكر 70% ولخالد 30% وعند الخسارة يتحمل كل واحد منهما 50%.
أولًا: إذا كان بكر يعمل أكثر من خالد أو له خبرة أكثر منه أو له علاقات شخصية ترتقي بالشركة فيجوز أن تقسم الأرباح بهذه الطريقة.
فلو كان الربح 1,000 دينار فيقسم الربح بينهما:
يأخذ بكر 1,000× 70% =(700 دينار)
ويأخذ خالد 1,000× 30% =(300 دينار)
ولو كانت الخسارة 1,000 دينار
فيتحمل كل واحد منهما 1,000× 50% =(500 دينار).
ولا يجوز أن يتحمل بكر 700 وخالد 300 للظلم الواقع على بكر.
ثانيا إذا كان الشريكان متساويين في المال والعمل، ولا ميزة لأحدهما على الآخر، فلا يجوز أن تقسم الأرباح بهذه الطريقة، بل يكون لكل واحد منهما 50% بالتساوي؛ لأن عدم التساوي بينهما ظلم ومخالف لمقتضى الشركة، فالقاعدة (الربح على ما يُشترط، والخسارة على قدر المال) بشرط عدم الضرر أو الغبن لأحد الطرفين.
فإذا حصل ربح أو خسارة (1,000 دينار) مثلًا:
فيستحق كل واحد من الشريكين 1,000× 50% =(500 دينار).
المثال السابع- اشترك كل من أحمد ومحمد في شركة تصدير، دفع كل واحد منهما مبلغًا وقدره (8,000 دينار) ويكون الربح بينهما بالتساوي (50%) لكل واحد منهما، ويتحمل أحمد الخسارة وحده
فهذه الصورة غير جائزة بالاتفاق؛ لمخالفتها مقتضى العقد، فالقاعدة الفقهية (الخسارة على قدر المال، والربح على ما يُشترط)، فيجوز التفاوت في الربح إذا رضي الشريكان، ولم يكن غبن ولا غرر ولا ظلم.
أما الخسارة فلا يجوز إلا بحسب نسبة رأس المال، وهنا رأس المال متساوٍ، فتكون الخسارة متساوية بينهما.
فعند اشتراط محمد عدم الخسارة يكون الظلم واقعًا على أحمدَ، وربما يكون أقرب إلى القرض الربوي.
فلو حصل ربح (800 دينار) فيقسم:
لكل واحد 800× 50% = (400 دينار),
ولو كانت خسارة فعلى كل واحد 800×50%=(400 دينار).
أما أن يتحمل الخسارة أحمد دون محمد فهو ظلم ومخالف لمقتضى عقد الشركة.
المثال الثامن- اشترك محمد وخالد في مصلحة معينة فدفع محمد 10,000 دينار ودفع خالد 5,000 دينار، واشترط خالد أن يأخذ الثلث من الربح، وألا يساهم في الخسارة.
إذا كان الربح (1,000)
يكون لمحمد 1000÷3×2= 666.6
ويكون لخالد 1000÷3= 333.3
وهذا جائز؛ لأن الشرط هنا لا يضر.
عند الخسارة يتحمل محمد الخسارة كاملة 1,000 دون خالد، وهذا غير جائز، بل يتحمل بقدر رأس ماله(333.3).
وبذلك تصح الشركة. والله أعلى وأعلم
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة