الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، بغضِّ النظر عن حكمها الفقهي، ولا بدَّ أن تبقى الشعيرة قائمة في بلاد المسلمين، قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
وذبح الأضاحي من تعظيم الشعائر، وورد في فضلها بعض الأحاديث وإن كانت ضعيفة، إلا أن فضلها يلحظ من فعله عليه الصلاة والسلام ومواظبته عليها حتى في السفر، وهي سنة مؤكدة عند الجمهور لمن كان مستطيعًا، شكرًا لله تعالى، وتوسعة على فقراء البلد.
وهذا هو حكم الأضحية في الأحوال الطبيعية، غير أنه قد يعرض ما يعيق تلك الشعيرة، كانعدام وجود الأنعام كحالة غزة، حيث لا يوجد إلا اللحوم المذبوحة المثلجة، ولا يجوز الأضحية بها؛ لعدم تحقق الذبح بنية الأضحية وفي وقتها، لذا لا بد من بيان البديل عن الأضحية في هذه النازلة على النحو الآتي:
أولًا- بالنسبة لأهل غزة في ظل عدم وجود الأنعام: فينبغي عليهم أن يستحضروا نية الأضحية، فعن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [البخاري: 1].
وكما في الحكمة 'نية المرء خير أو أبلغ من عمله'، فلا يعدمون الأجر والثواب، ومن كان منهم قادرًا أن يطعم أهله من اللحوم المتوفرة فليفعل ذلك بنية الأضحية ونرجو له الأجر بالنية.
ثانيًا- بالنسبة للمحسنين خارج غزة، وهم معتادون إرسال أضاحيهم إلى أفقر بلاد الإسلام وأعوزهم بسبب الحروب المستمرة عليهم والحصار، فمن كان قادرًا أن يجمع بين الأضحية في بلده وإرسال ثمن أضحية أخرى ليطعم فقراء غزة اللحم يوم العيد، فهذا أكمل وله أجر الأضحية والصدقة على أحوج الناس.
ومن لم يستطع الجمع بين الأضحية والصدقة فليرسل ثمن أضحيته إلى غزة ليطعم فقراءها لحمًا يوم العيد، وله أجر الأضحية بالنية وزيادة على ذلك الصدقة، ومما لا شك فيه أن إدخال السرور على المحرومين من أهل غزة بإطعامهم اللحم يوم العيد أولى وأعظم من أي أضحية في غير تلك البلاد المنكوبة والمحرومة، والله تعالى يقول: }لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ{ [الحج: 37].
وكلما كان النفع متعديًا وأعظم كانت العبادة أكثر أجرًا، ومما لا شك فيه أن حاجة أهل غزة في هذه الأيام أكثر من أي بلد آخر بسبب الحصار والحرمان.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عز وجل؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلَأَ اللَّهُ عز وجل قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَهَا لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ عز وجل قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ». [الطبراني في الأوسط، حسن: ٦٠٢٦].
واعتاد الفقراء في غزة انتظار الأضاحي يوم العيد من المحسنين، فليجتهد الجميع داخل القطاع وخارجه أن يكرموا هؤلاء ولا يخيبوا ظنهم وأمنيتهم.
وعلى الأغنياء في غزة شراء اللحم يوم العيد وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور عليهم بنية الأضحية والصدقة فلهم الأجر والثواب، والأعمال بالنيات.
وأخيرًا: على كل قادر على الأضحية أن يضع النية الصادقة للأضحية، فإن تيسر الحال ووجدت الأنعام ضحى، وإلا فليشتر لحمًا يطعمه أهله، ولا ينس الفقراء والجيران.
والله أسأل أن يخلف على كل باذل ومتصدق، وأن ييسر أمر الفقراء ويغنيهم من فضله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة