الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | مقالات | فضل الإصلاح بين الناس

اليوم : الإثنين 26 صفر 1448 هـ – 10 أغسطس 2026م
ابحث في الموقع

فضل الإصلاح بين الناس

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:

أولا- تعريف الأصلاح

فالإصلاح: جمع المتخاصمين لرفع الخصومة عن طريق التراضي والمسامحة، وطرد كل بغضاء وتشاحن من قلوبهم.

ثانيا- الأدلة عليه

1-            قال الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].

2-            قال الله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128].

3-            قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

4-            قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

5-            أمر الله تعالى بإصلاح ذات البين، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]. 

ثالثًا: مكانة الإصلاح وآثاره في المجتمع

الإصلاح بين الناس مسؤولية عظيمة تقوم على الأخلاق الفاضلة، وتهذيب النفوس، وتقويم السلوك، وهو سببٌ لزرع المحبة والألفة، ونبذ الفرقة والخصومة.

وإذا صلح الناس فيما بينهم، ساد الأمن والاستقرار، وانتشرت الطمأنينة، وقويت روابط المجتمع،.

ومن أعظم الدعائم التي يقوم عليها الإصلاح مناصحة المسلمين؛ فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ ». قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « لِلَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ». [ أبو داود، صحيح: 4946 ].

ومن رحمة الله تعالى بالمؤمنين أن وحد كلمتهم، وجمع بين قلوبهم، ولمّ شعثهم، وأزال الضغائن من قلوبهم، حتى أصبحوا إخوة في الدين، وألف بينهم، قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103].

والإصلاح بين الناس عنوان الإيمان، ومصدر الطمأنينة، وينبوع المحبة، وفضله عظيم، وهو من أعظم القربات وأجلِّ الطاعات.

رابعًا: نماذج من السنة في الإصلاح بين الناس

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على الإصلاح بين الناس، يسعى إليه بنفسه، ويحثُّ عليه أصحابه، ولما تنازع أهل قباء بادر  إلى الذهاب إليهم بنفسه، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» [البخاري: 2693].

خامسًا: عظم أجر الإصلاح بين الناس

الإصلاح بين الناس من أعظم القربات، وأرفع الطاعات؛ فعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالصَّلاَةِ، وَالصَّدَقَةِ»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» [أبو داود، صحيح: 4919].

وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأنْصَارِيِّ -رضيَ اللهُ عنهُ-، {أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ مَوْضِعُهَا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: تَصْلُحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَرِّبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا} [البيهقي، حسن: 10583].

والإصلاح بين الناس مسؤولية عظيمة، تقوم على أساس الأخلاق، وتعديل السلوك، وتهذيب الأنفس، والإصلاح بين الناس يقوم على زرع المحبة والألفة، ونبذ الخلاف والفرقة، وإصلاح ذات البين فيه خير للفرد والمجتمع،

وإذا تحقق ذلك في الأمة، ساد الأمن والأمان، ورغد العيش، وإذا صلح الأفراد، صلح المجتمع كله.

سادسًا: مجالات الإصلاح بين الناس

ومن أبرز الميادين التي يحتاج الناس فيها إلى الإصلاح: الإصلاح بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء، وبين الأقارب والجيران والأصدقاء، بل إن أولى الناس بالإصلاح نفسُ الإنسان؛ فيصلحها بطاعة الله تعالى، ويزكيها بالأخلاق الفاضلة، ويكف أذاه عن الناس. فالإصلاح بين الناس من أجلِّ القربات، وأعظم أسباب الألفة والاجتماع، وبه تستقيم المجتمعات وتزدهر.

ولا يقتصر الإصلاح على فضِّ النزاعات بين الناس، بل يشمل إصلاح الإنسان نفسه، وتقويم أخلاقه، والبعد عن كل ما يؤذي الآخرين.

سابعا: الصلح أولى من الخصومة والتقاضي

فالصلح المشروع القائم على العدل والتراضي أولى من الخصومة والتقاضي متى أمكن ذلك؛ لأن الخصومات كثيرًا ما تورث الأحقاد والضغائن، فعَنْ مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ' رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا؛ فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ الْقَوْمِ الضَّغَائِنَ '. [البيهقي السنن الكبرى 11360 ].

وإذا ساد الإصلاح بين الناس، عمَّ الخير والبركة، وانتشرت الألفة والمودة، وإذا احتكم الناس إلى شريعة الله تعالى، تحقق العدل، وأُعطي كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا يظلم قويٌّ ضعيفًا، ولا غنيٌّ فقيرًا، ولا يتسلط أحدٌ على أحد. فإذا وقع خلاف أو نزاع، سعى المصلحون إلى رأب الصدع، وجمع الكلمة، وحفظ وحدة المجتمع واستقراره.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

                                  الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية