الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | تعظيم الدين والرب سبحانه انتشرت في بعض مجموعات التواصل الاجتماعي تعليقاتٌ يردِّد فيها بعضُ الأشخاص عباراتٍ مثل: 'أين الله مما يجري للأطفال؟ وهل الله لا يرى ما يحدث لنا؟'، كما يعمد آخرون إلى الاستهزاء بالدين وبالمسلمين، ويطلقون عباراتٍ من قبيل: 'الكافر أو الدرزي أفضل من المسلم السني'، ونحو ذلك من الألفاظ المسيئة. فما حكم هذه الأقوال في الشريعة الإسلامية؟ وما حكم الاستهزاء بالدين أو بالمسلمين؟ وما مسؤولية منشئ المجموعة أو مديرها إذا سمح بنشر مثل هذه العبارات، أو لم يقم بحذفها مع قدرته على ذلك؟

اليوم : الإثنين 26 صفر 1448 هـ – 10 أغسطس 2026م
ابحث في الموقع

تعظيم الدين والرب سبحانه
انتشرت في بعض مجموعات التواصل الاجتماعي تعليقاتٌ يردِّد فيها بعضُ الأشخاص عباراتٍ مثل: 'أين الله مما يجري للأطفال؟ وهل الله لا يرى ما يحدث لنا؟'، كما يعمد آخرون إلى الاستهزاء بالدين وبالمسلمين، ويطلقون عباراتٍ من قبيل: 'الكافر أو الدرزي أفضل من المسلم السني'، ونحو ذلك من الألفاظ المسيئة.
فما حكم هذه الأقوال في الشريعة الإسلامية؟ وما حكم الاستهزاء بالدين أو بالمسلمين؟ وما مسؤولية منشئ المجموعة أو مديرها إذا سمح بنشر مثل هذه العبارات، أو لم يقم بحذفها مع قدرته على ذلك؟

فتوى رقم: 1490
الجواب:

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فالجواب عن ذلك، فيما يأتي:

أولًا: يجب على المسلم أن يُعظِّم اللهَ تعالى، وأن يُنزِّهه عن كل نقص، وأن يحسن الظنَّ به سبحانه؛ فهو العليم الحكيم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يقع في ملكه شيء إلا بعلمه وحكمته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5]، وقال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

فمن قال: «أين الله مما يجري؟» أو: «ألا يرى الله ما يحدث؟»، فإن كان يقصد بذلك الاعتراض على قضاء الله تعالى، أو الطعن في حكمته وعدله، أو التسخط على أفعاله سبحانه، فهذا من أخطر الأقوال، وقد يبلغ بصاحبه الكفر؛ لما يتضمنه من الاعتراض على الله تعالى وسوء الظن به.

أما إن صدر هذا اللفظ من جاهل، أو من شدة الحزن والذهول، من غير قصد الاعتراض على الله تعالى، فهو قولٌ محرم، وسوء أدب مع الله عز وجل، يجب على قائله أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يستغفره، وأن يحذر من إطلاق مثل هذه العبارات، وأن يضبط لسانه عند نزول البلاء، فإن المؤمن يُؤمر بالصبر والرضا، وحسن الظن بالله تعالى.

ثانيًا: الاستهزاء بالله تعالى، أو بآياته، أو برسوله ﷺ، أو بشيءٍ من دين الإسلام، من أعظم الجرائم وأشدها خطرًا، وهو كفر أكبر إذا كان عن علمٍ واختيار، قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66].

ولا يجوز لمسلم أن يجعل الدينَ أو شعائرَه أو أهلَه موضعَ سخرية أو استهزاء، فإن ذلك ينافي تعظيم الله تعالى وتعظيم شرعه.

ثالثًا: أما قول بعض الناس: «الكافر أو الدرزي أفضل من المسلم السني»، فهذه عبارةٌ مجملة تحتمل أكثر من معنى؛ فإن قصد بها تفضيل الكفر على الإسلام، أو احتقار الإسلام وأهله، أو أن دين الكافر خيرٌ من دين المسلمين، فهذا كفر وردة عن الإسلام.

أما إن قصد أن شخصًا كافرًا يتحلى في معاملةٍ معينة بصدقٍ أو أمانةٍ أو انضباطٍ أكثر من شخصٍ مسلمٍ فاسق، فلا يُعد ذلك تفضيلًا للكفر على الإسلام، وإن كانت العبارة موهمة، وفيها إساءة، والواجب العدول عنها إلى ألفاظٍ واضحة لا تحتمل الباطل.

رابعًا: يجب على منشئ المجموعة أو مديرها أن يمنع نشر ما فيه استهزاءٌ بالله تعالى أو بدينه أو برسوله ﷺ أو بشعائر الإسلام، وأن يحذف تلك المشاركات، وأن ينصح أصحابها، ويمنع تكرارها بحسب استطاعته؛ لأن ذلك من إنكار المنكر الواجب.

فعن أبي سعيد قال النبي ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». [مسلم: 49].

وأوصي المسلمين بتقوى الله تعالى، وتعظيمه، وتعظيم دينه وشعائره، وحفظ ألسنتهم عند الفتن والمصائب، فإن البلاء لا يبيح الاعتراض على الله تعالى، ولا يسوغ الاستهزاء بدينه، بل الواجب الصبر، والرضا بقضائه، والإكثار من الدعاء، وبذل الأسباب المشروعة لنصرة المظلومين، مع اليقين بأن الله تعالى لا يظلم أحدًا، وأنه سبحانه يمهل ولا يهمل، وسيقتص للمظلومين يوم القيامة، ولن يضيع عنده حق أحد، قال الله تعالى:﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]، وأنه سبحانه وعدنا بالعدل المطلق في آخرته والله أعلى وأعلم.، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]. والله أعلى وأعلم.

                ✍ الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية