الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيقول الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36 رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ 37 [النور: 36، 37].
والأصل أن الصلاة في المسجد الذي يكثر فيه المصلون أفضل؛ لحديث أُبَيّ بْن كَعْبٍ يَقُولُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَالَ: «أَشَهِدَ فُلَانٌ الصَّلَاةَ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَفُلَانٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانُوا أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [النسائي، حسن: 843].
كما أن كثرة الخطى إلى المسجد سببٌ لعظم الأجر ورفعة الدرجات.
لكن إن كان المسجد القريب يحتاج إلى من يعمره، أو يضعف أمر الجماعة فيه بسبب انتقال الناس عنه، فالصلاة فيه أولى.
والصلاة في المساجد كلها جائزة ولا يقصد منها و لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم « لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ». [صحيح مسلم 1397 (4/ 126)].
وهناك اعتبارات كثيرة في أفضلية الصلاة في المساجد:
أولا- الكبر: فالصلاة في المسجد الكبير أفضل من الصلاة في المسجد الصغير لكثرة المصلين فيه وكلما كثر المصلون في المسجد كانت الصلاة فيه أفضل لحديث أبي بن كعب السابق.
فقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل مع الرجل أزكى أي أفضل من صلاته مع واحد وصلاته مع اثنيت أفضل وهكذا كلما كثر المصلون كان الأجر أعظم.
ثانيا- البعد في المسافة: فالصلاة في المسجد البعيد أفضل من الصلاة في المسجد القريب لكثرة الخطى فكلما زادت الخطوات زاد الأجر والثواب لحديث أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} قَالَ: خُطَاهُمْ. [البخاري: 655].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ كَانَتْ خُطْوَتَاهُ: إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً ». [مسلم: 666 ].
ثالثا- كثرة النفع بطلب العلم والقرآن: فالصلاة في المسجد الذي تقام فيه حلقات العلم أفضل من الصلاة في غيره؛ لأن من يحضر دروس العلم يتعلم ويعلم؛ فيحظى بنور العلم والفهم، أما الصلاة في المسجد الذي يخلو من دروس العلم يحرم من ذلك، ولا يستوي العالمون وغير العالمين؛ قال الله تعالى: هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 9 [الزمر: 9].
وهذا الحكم العام في المسجدين؛ فإن تعطلت الجماعة في المسجد القريب بسبب تغيب شخص- كأن كان إماما أو قارئا ولا يوجد غيره- تعين عليه الصلاة في القريب، وكانت صلاته فيه أفضل من البعيد، وعليه يحمل ما ورد عَن ابْن عمر ((لِيُصَلِّ الرَّجُلُ فِي المَسْجِدِ الَّذِي يَلِيهِ وَلَا يَتَّبِعِ المَسَاجِدَ)) [الفتح الكبير للسيوطي 10347].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ' «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ وَلَا يَتْبَعُ الْمَسَاجِدَ» '. [مجمع الزوائد للهيثمي، صحيح: 2037].
وعليه فينظر المصلي؛ فإن وجد مصلون غيره في المسجد القريب فصلاته في المسجد البعيد - بالنظر إلى الاعتبارات السابقة - أفضل من المسجد القريب، وإن تعطل المسجد القريب بسببه فصلاته في المسجد القريب أفضل.
والخلاصة: أن الصلاة في المسجد البعيد الذي يكثر فيه المصلون، أو تقام فيه حلقات العلم والقرآن، أفضل من الصلاة في المسجد القريب من حيث الأصل؛ لكثرة الجماعة والخطى والفوائد المترتبة على ذلك.
أما إذا كان المسجد القريب يضعف أمره أو تتعطل جماعته بسبب انتقال الناس عنه، فالصلاة فيه أولى؛ لما في ذلك من عمارة بيوت الله وإحياء الجماعة.
والأفضل للمسلم أن ينوع بين المساجد، وأن يحرص على ما هو أنفع لقلبه وأعظم لأجره، والأعمال بالنيات فعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).[ البخاري: 1]. والله أعلى وأعلم.
✍ الشيخ عبد الباري بن محمد خلة