الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالسُّنن الرواتب يُشرع قضاؤها إذا فاتت، ذهب إلى هذا القول الشافعية والحنابلة، وهو الراجح؛ لثبوت الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك.
ويدل على ذلك أحاديث منها:
1. عن أُمّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، ... قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ. [البخاري: 1233].
فهذا الحديث صريحٌ في أن النبي ﷺ قضى سنة الظهر البعدية بعد خروج وقتها.
2. عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ. [الترمذي، صحيح: 1024].
وهذا نصٌّ في مشروعية قضاء سنة الفجر إذا فاتت.
3- عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ عَن رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ مَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ. [ابن ماجة، صحيح : 1155].
4- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرَ، فَلْيُصَلِّهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ» [ابن خزيمة، صحيح: 1117 ].
قال الإمام النووي رحمه الله: الصَّحِيحَ عِنْدَنَا اسْتِحْبَابُ قَضَاءِ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ [المجموع (4/ 43)].
لكن اختلف الفقهاء في جميع الرواتب هل تُقضى أم يختصُّ القضاء ببعضها؛ فذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب قضاء جميع السنن الرواتب، سواء فاتت بعذر أو بغير عذر، وإن كان القضاء عند العذر آكد.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن السنن الرواتب لا تُقضى بعد خروج وقتها، إلا ركعتي الفجر؛ فإن الحنفية يقضونهما إذا فاتتا مع الفريضة، والمالكية يرون قضاءهما إلى الزوال.
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله:
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي سَائِرِ السُّنَنِ سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَنَّهَا إذَا فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا لَا تُقْضَى سَوَاءٌ فَاتَتْ وَحْدَهَا، أَوْ مَعَ الْفَرِيضَةِ،... وَأَمَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ إذَا فَاتَتَا مَعَ الْفَرْضِ فَقَدْ فَعَلَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْفَرْضِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ فَنَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ، بدائع الصنائع(1/ 287)
وقال الصاوي: (وَلَا يُقْضَى نَفْلٌ) خَرَجَ وَقْتُهُ (سِوَاهَا) أي ركعتي الفجر ، فَإِنَّهَا تُقْضَى بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ حاشية الصاوي(1/ 408):
والأقرب – والله أعلم – أن جميع السنن الرواتب تُقضى؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ، ولأن المقصود من الرواتب المحافظة على هذه العبادة، فإذا فاتت شُرع تداركها.
الأفضل أن تُقضى السنن الرواتب فور تذكرها، ولا ينبغي للمسلم أن يتعمد تركها ثم يعتمد على القضاء؛ لأن المحافظة عليها من هدي النبي ﷺ، ويجوز قضاؤها في سائر الأوقات، إلا أوقات الكراهة عند من يمنع من الصلاة فيها، إلا ما ورد الدليل باستثنائه. والله أعلى وأعلم.
✍ الشيخ عبد الباري بن محمد خلة