الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. [رواه البخاري (3/ 478) رقم 883].
وعَنْه أيضا، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا». [رواه أبو داود (1/ 404) رقم 1048].
فيوم الجمعة يوم مبارك، وهو عيد للمسلمين حرصوا عليه وعظموا أمره لذا قال بعض السلف : 'من استقامت له جمعته، استقام له سائر أسبوعه'.
وقال ابن القاسم: 'ولهذا من صحت له جمعته وسلمت له، صح وسلم له سائر أسبوعه، فهو ميزان الأسبوع'. [حاشية الروض المربع لابن قاسم (2/ 419)].
واختلفوا فِي ساعة الإجابة يوم الجمعة على أقوال كثيرة، من أهمها:
1- مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة؛ فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: 'هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ'». [رواه مسلم (2/ 584) رقم 853].
قال النووي: وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن مُسلم بن الْحجَّاج قَالَ: 'هَذَا الحَدِيث أَجود حَدِيث، وأصحه فِي بَيَان سَاعَة الْجُمُعَة'. خلاصة الأحكام للنووي (2/ 754).
2- ساعة الإجابة من حِين تقام الصلاة إِلى السلَام، فعن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: 'فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ، لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أُعْطِيَ سُؤْلَهُ' قِيلَ: أَيُّ سَاعَةٍ؟ قَالَ: حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى الِانْصِرَافِ مِنْهَا' [رواه ابن ماجه بسند ضعيف (2/ 221) رقم 1138].
3- هي بعد العصر إِلَى غروب الشمْس، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ -يُرِيدُ- سَاعَةً، لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا، إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» [رواه أبو داود بسند صحيح (1/ 275) رقم 1048].
«وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» الاستذكار لابن عبد البر (2/ 40).
وقال وكيع بن حيان: «قَالَ الحارث بْن مسكين: رأيت المفضل بْن فضالة إِذَا صلى الجمعة جلس إِلَى صلاة العصر في المسجد فإذا صلى العصر خلا في ناحية المسجد وحده فلا يزال يدعو حتى تغرب الشمس» أخبار القضاة لوكيع بن حيان (3/ 238).
قال ابن عبد البر: «وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ابن عباس رواه سعيد بن جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ السَّاعَةُ الَّتِي تُذْكَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» الاستذكار لابن عبد البر (2/ 40).
وقال ابن عبد البر أيضا «قال: فكان طاووسٌ إذا صلّى العصرَ يومَ الجُمعةِ لم يُكلِّمْ أحدًا ولم يلْتَفِتْ؛ مشغُولًا بالدُّعاء والذِّكر حتَّى تغيبَ الشّمسُ» التمهيد لابن عبد البر (14/ 412).
وقال ابن القيم رحمه الله : «وَهَذِهِ السَّاعَةُ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، يُعَظِّمُهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ هِيَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا غَرَضَ لَهُمْ فِي تَبْدِيلِهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهِ مُؤْمِنُهُمْ. زاد المعاد لابن القيم (1/ 384).
وعن زَكَرِيَّا بْن عَدِيٍّ قَالَ: 'كَانَ الصَّلْتُ بْنُ بِسْطَامٍ التَّمِيمِيُّ يَجْلِسُ فِي حَلْقَة أَبِي خَبَّابٍ يَدْعُو مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَجَلَسُوا يَوْمًا يَدْعُونَ، وَقَدْ نَزَلَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ، فَدَعَوْا وَذَكَرُوا بَصَرَهُ فِي دُعَائِهِمْ فَلَمَّا كَانَ قَبِيلَ الشَّمْسِ عَطَسَ عَطْسَةً، فَإِذَا هُوَ يُبْصِرُ بِعَيْنَيْهِ، وَإِذَا قَدْ رَدَّ اللَّهُ بَصَرَهُ قَالَ زَكَرِيَّا: فَقَالَ لِي ابْنُهُ: قَالَ لِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ: أَنَا رَأَيْتُ النَّاسَ عَشِيَّةً إِذْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِيكَ يُهَنِّئُونَهُ» «مجابو الدعوة لابن أبي الدنيا» (ص79).
4- عند تدلي الشمس للغروب، فعَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَدْعُو بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ؟ فَقَالَ: «إِذَا تَدَلَّتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» فَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَقُولُ لِغُلَامٍ يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ: اصْعَدْ عَلَى الطِّرَابِ (الطرق الضيقة المتفرقة) فَإِذَا رَأَيْتَ الشَّمْسَ قَدْ تَدَلَّتْ لِلْغُرُوبِ فَأَخْبِرْنِي فَيُخْبِرُهَا فَكَانَتْ تَقُومُ إِلَى مَسْجِدِهَا فَلَا تَزَالُ تَدْعُو حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ثُمَّ تُصَلِّي. [رواه إسحاق بن راهويه في مسنده بسند ضعيف (5/ 12) رقم 2109].
5- بعد زيغ الشَّمْس بِيَسِير إِلَى ذِرَاع، ذهب إلى هذا أَبو ذَر الغفاري، فعن عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَفَاءَتِ الْأَفْيَاءُ وَرَاحَتِ الْأَرْوَاحُ فَاطْلُبُوا إِلَى اللَّهِ حوائجكم» فَإِنَّهَا سَاعَة الْأَوَّابِينَ ثمَّ تَلا {فَإِنَّهُ كَانَ للأوابين غَفُورًا} [الْإِسْرَاء: 25] الاستذكار لابن عبد البر (2/ 39)
6- يحْتَمل أَنَّهَا تَدور فِي أَيَّام الْجمع على الأوقات المذكورة فِي الْأَحَادِيث، فيوما تكون مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة، وَيَوْما حِين تُقَام الصَّلَاة إِلَى السَّلَام، وَيَوْما تكون فِيمَا بَين الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَيَوْما تكون فِي آخر سَاعَة، وَيكون النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد سُئِلَ عَن ذَلِك فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة فَأجَاب عَن ذَلِك بِمَا أجَاب وَرَأَيْت غير وَاحِد من الْأَئِمَّة جنح إِلَى هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم. سلاح المؤمن في الدعاء والذكر لابن الإمام (ص166).
7- قيل إِنَّهَا مُبْهمَة فِي جَمِيع الْيَوْم؛ حِكْمَة من الله تَعَالَى، ليعكف الدَّاعِي على مراقبتها ويجتهد فِي الدُّعَاء فِي جَمِيع الْيَوْم، كَمَا قيل فِي لَيْلَة الْقدر وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَالِاسْم الْأَعْظَم وَسَاعَة الْإِجَابَة فِي اللَّيْل وَهَذَا القَوْل ضَعِيف لتعيين وَقتهَا وَالتَّصْرِيح بِهِ فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة وَالله أعلم. سلاح المؤمن في الدعاء والذكر لابن الإمام (ص166).
ولا يمنع ذلك أن يدعو المسلم في كل هذه الأوقات لينال الرضى والقبول.
وهكذا فإن يوم الجمعة من أفضل أيام السنة وهو عيد أسبوعي للمسلمين ورثوا فيه العبادة والتعظيم له جيلا بعد جيل، لذا وجب علينا نحن المسلمين اليوم أن نتقرب إلى الله تعالى بالعبادة فيه، وخاصة في تلك الأوقات المباركة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لنقتدي به، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة