الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوديعة أمانة في يد الوديع، لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط في الحفظ، فإن تلفت من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه.
قال ابن المنذر: 'وأجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته، أن لا ضمان عليه'. [الإشراف على مذاهب العلماء (6/ 330)].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: 'مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ' [رواه ابن ماجه بسند مختلف في صحته، رقم 2400 (3/ 479)].
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ » [رواه الدارقطني بسند ضعيف، رقم 3002 (7/ 247)].
والمغل هو الخائن.
ومقرر لدى الفقهاء أن الوديعة إذا احتاجت إلى نفقة فنفقتها على صاحبها لا على الوديع، كحفظ الدابة فتحتاج إلى علف، فهو على نفقة المالك، والسيارة إذا احتيج إلى نقلها فالنفقة على صاحبها.
وصاحب السؤال حفظ الوديعة ولم يتعدَّ ولم يفرِّط، فلا يضمن، غير أنه تبرع وأجهد نفسه وبحث عن الوديعة ووجدها، وكان الواجب عليه أن يخبر صديقَه صاحبَ الوديعة أنني أريد البحث عنها فما رأيك إما أن تبحث أنت عنها، أو أبحث أنا عنها ولي أجرة معينة، كمائة مثلا أو آخذ أجرة الأيام التي يستغرق البحث فيهأ.
وطالما لم يحدث ذلك فليس للوديع إلا أجرة المثل، فمثلا استغرق البحث عن الوديعة ثلاثة أيام، فنعطيه أجرة تلك الأيام كما جرى العرف عليه.
أما أن يطلب نسبة معينة فلا، أو يبالغ في الأجرة فلا، وخيركم خيركم قضاء. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة