الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | حكم تغسيل من استشهد وهو جنب أو من استشهدت وهي حائض أو نفساء.

اليوم : الخميس 17 شعبان 1447 هـ – 05 فبراير 2026م
ابحث في الموقع

حكم تغسيل من استشهد وهو جنب أو من استشهدت وهي حائض أو نفساء.

فتوى رقم: 1412
الجواب:

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

أولًا- حكم من استشهد وهو جنب من حيث الغسل

اختلف الفقهاء في حكم من استشهد وهو جنب على قولين:

القول الأول- من ‌استشهد ‌جنبًا فلا يغسل، ذهب إلى هذا القول الحنفية، والمالكية، والشافعية في أصح الوجهين، واستدلوا بأدلة منها:

1-  لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتغسيل أحد ممن ‌استشهد ‌جنبًا، ولا فرق بين من استشهد جنبًا أو طاهرًا، فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ»؛ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ'. [رواه البخاري، رقم 1346 (2/91)].

وجه الدلالة: الحديث عام يشمل الجنب وغيره.

2-  غسل الجنابة طهارة عن حدث أكبر فتسقط بالشهادة كالوضوء (الحدث الأصغر).

3-  الغسل من الجنابة واجب للصلاة، وهي (الصلاة) ساقطة وجوبها عن الشهيد فيسقط الغسل كذلك.

4-  تغسيل الملائكة لمن استشهد جنبًا إكرام لهم، وهذا من أمور الآخرة فلا يقاس عليه، ولو وجب الغسل لما سقط إلا بفعلنا-نحن المكلفين-.

 [ينظر: الذخيرة للقرافي(2/ 475)؛ شرح الزرقاني (2/ 409)؛ الإشراف على نكت مسائل الخلاف القاضي عبد الوهاب (1/ 358)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].

القول الثاني- يجب تغسيل الشهيد الجنب غسل جنابة لا موت، ذهب إلى هذا القول الحنفية والمالكية في قول لكل منهما، والشافعية في وجه، واستدلوا بأدلة كثيرة منها:

1-  عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَهُمَا جُنُبَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا». [رواه الطبراني بسند حسن، رقم 12094 (11/ 391)].

وجه الدلالة: لو لم يكن الغسل واجبًا، لما غسلته الملائكة.

2-  كان الغسل قبل الشهادة واجبًا فوجب بعد الموت، ولا خلاف أن الشهيد الجنب لا يغسل للموت بل للجنابة.

[ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (1/ 322)؛ الذخيرة للقرافي (2/ 475)؛ المجموع للنووي (5/ 263)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].

ثانيًا- حكم من استشهدت وهي حائض أو نفساء من حيث الغسل

قاس الفقهاء الشهيدة الحائض أو النفساء على الشهيد الجنب مع بعض التفصيلات في الحائض والنفساء، ويمكن حصر أقوالهم في قولين:

القول الأول- إذا استشهدت المرأة وهي حائض أو نفساء وانقطع دمها، فهي كالجنب فيما قلته سابقًا، وإذا استشهدت في أثناء الحيض فتغسل، ذهب إلى هذا القول الشافعية في الأصح. [المجموع للنووي (5/ 263)].

واستشهد أصحاب هذا القول بأدلة:

1-  عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ».

2-  ولأنها طهارة عن حدث، فسقط حكمها بالشهادة كغسل الميت.

القول الثاني- يجب عليهما الغسل سواء انقطع الدم أم لا، ذهب إلى هذا القول المالكية والشافعية في قول، واستدلوا بأدلة منها:

1-  حمزة وحنظلة بن الراهب استشهدا بأحد جنبًا فغسلتهما الملائكة.

2-  لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجبًا قبله، ولا خلاف أنه لا يغسل بنية غسل الموت، والخلاف إنما هو في غسل الجنابة.

[شرح الزرقاني (2/ 409)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].

وعليه فالراجح أن الشهيد الجنب والشهيدة الجنب أو الحائض أو النفساء لا يغسلون، وإن غسلوا فلا حرج.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

الاشتراك في القائمة البريدية