الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
أولًا- حكم من استشهد وهو جنب من حيث الغسل
اختلف الفقهاء في حكم من استشهد وهو جنب على قولين:
القول الأول- من استشهد جنبًا فلا يغسل، ذهب إلى هذا القول الحنفية، والمالكية، والشافعية في أصح الوجهين، واستدلوا بأدلة منها:
1- لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتغسيل أحد ممن استشهد جنبًا، ولا فرق بين من استشهد جنبًا أو طاهرًا، فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ»؛ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ'. [رواه البخاري، رقم 1346 (2/91)].
وجه الدلالة: الحديث عام يشمل الجنب وغيره.
2- غسل الجنابة طهارة عن حدث أكبر فتسقط بالشهادة كالوضوء (الحدث الأصغر).
3- الغسل من الجنابة واجب للصلاة، وهي (الصلاة) ساقطة وجوبها عن الشهيد فيسقط الغسل كذلك.
4- تغسيل الملائكة لمن استشهد جنبًا إكرام لهم، وهذا من أمور الآخرة فلا يقاس عليه، ولو وجب الغسل لما سقط إلا بفعلنا-نحن المكلفين-.
[ينظر: الذخيرة للقرافي(2/ 475)؛ شرح الزرقاني (2/ 409)؛ الإشراف على نكت مسائل الخلاف القاضي عبد الوهاب (1/ 358)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].
القول الثاني- يجب تغسيل الشهيد الجنب غسل جنابة لا موت، ذهب إلى هذا القول الحنفية والمالكية في قول لكل منهما، والشافعية في وجه، واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
وجه الدلالة: لو لم يكن الغسل واجبًا، لما غسلته الملائكة.
2- كان الغسل قبل الشهادة واجبًا فوجب بعد الموت، ولا خلاف أن الشهيد الجنب لا يغسل للموت بل للجنابة.
[ينظر: بدائع الصنائع للكاساني (1/ 322)؛ الذخيرة للقرافي (2/ 475)؛ المجموع للنووي (5/ 263)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].
ثانيًا- حكم من استشهدت وهي حائض أو نفساء من حيث الغسل
قاس الفقهاء الشهيدة الحائض أو النفساء على الشهيد الجنب مع بعض التفصيلات في الحائض والنفساء، ويمكن حصر أقوالهم في قولين:
القول الأول- إذا استشهدت المرأة وهي حائض أو نفساء وانقطع دمها، فهي كالجنب فيما قلته سابقًا، وإذا استشهدت في أثناء الحيض فتغسل، ذهب إلى هذا القول الشافعية في الأصح. [المجموع للنووي (5/ 263)].
واستشهد أصحاب هذا القول بأدلة:
1- عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ».
2- ولأنها طهارة عن حدث، فسقط حكمها بالشهادة كغسل الميت.
القول الثاني- يجب عليهما الغسل سواء انقطع الدم أم لا، ذهب إلى هذا القول المالكية والشافعية في قول، واستدلوا بأدلة منها:
1- حمزة وحنظلة بن الراهب استشهدا بأحد جنبًا فغسلتهما الملائكة.
2- لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجبًا قبله، ولا خلاف أنه لا يغسل بنية غسل الموت، والخلاف إنما هو في غسل الجنابة.
[شرح الزرقاني (2/ 409)؛ النجم الوهاج للدميري (3/ 73)].
وعليه فالراجح أن الشهيد الجنب والشهيدة الجنب أو الحائض أو النفساء لا يغسلون، وإن غسلوا فلا حرج.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة