الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالإسلام رغَّبَ في صلاة الجمعة، وعدَّها عيدًا للمسلمين، وأوجبها على كل مستطيع أداءها، ووردت أدلة متعددة، من الكتاب والسنة، تدلل على ذلك، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: 'مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ'. [رواه البخاري رقم 832(3/ 396)].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا'. [رواه مسلم رقم 1419(4/ 338)].
وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى'. [رواه البخاري رقم 834(3/ 399)].
وعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» [رواه أبو داود بسند صحيح رقم 1052(1/ 277)].
ولما كانت صلاة الجمعة بهذه الأهمية توسع فيها الفقهاء، ووضعوا لها شروطًا مستنبطة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فاتفقوا على اشتراط الإسلام والعقل والبلوغ والاستيطان، واشترط بعضهم المسجدية، وبعضهم الخليفة، وبعضهم عددًا محددًا.
وعند النظر في كلام الفقهاء في ذلك، يتبين فضل صلاة الجمعة وأهميتها ومحافظة المسلمين عليها جيلًا بعد جيل.
وحافظ عليها أهلنا وشعبنا في غزتنا العزيزة حتى عصفت حرب الإبادة بنا، فتعطلت صلاة الجمعة بل والجماعة بسبب الحرب ودمار كثير من المساجد (سقطت الجمعة والجماعة عن المكلفين).
ولما توقفت الحرب عاد الحكم إلى ما كان عليه قبلها في المناطق المستقرة والآمنة، والتي تتواجد فيها المساجد أو المصليات، وتبقى الرخصة للمقيمين في المناطق الخطرة، أو المناطق المدمرة حيث الخيام، ولم تتوفر بعد المصليات الكافية لجمع الناس فيها، مع حث جهات الاختصاص على إقامة المصليات المناسبة وغير المكلفة، وبحيث لا تؤثر على حاجة الناس للسكن والمأوى.
وعليه فصلاة الجمعة تجب في المناطق المستقرة والمؤهلة دون غيرها من مناطق مدمرة لا يوجد فيها مساجد أو مصليات، ويبقى الحكم هكذا إلى أن تؤهل المناطق المدمرة ويستقر السكان بها وتبنى المساجد أو المصليات الكافية لتتسع لجميع المكلفين بالجمعة.
ومن أراد أن يجمع أهل منطقة في مكان مناسب ليصلي بهم الجمعة فلا بأس به وتسقط عمن صلاها، وعندها من لم يحضر الجمعة فلا إثم عليه، ويصليها ظهرا جماعة أو منفردا، حتى يأذن الله لنا بالفرج الكامل.
وأسأل الله أن يجمع شمل المسلمين، ويوحد كلمتهم، ويصرف عنهم كل سوء، وتعود الأمور إلى أفضل مما كانت عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة