الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالإسلام راعى الملكَ العامَّ وأولاه اهتمامًا كبيرًا، ونظَّم له القوانينَ التي تضمن سيره والمحافظة عليه.
والرصيفُ حقٌّ عامٌّ يجب المحافظة عليه، ولا يجوز التعدي عليه فهو (التعدي عليه) غَصْبٌ، وحذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم منه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ'. [رواه مسلم، رقم 3024 (8/ 328)].
وجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عرض الطريق عند الخلاف سبعة أذرع (4.5م) تقريبًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَاجَرْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» [رواه الترمذي بسند صحيح رقم 1356 (3/ 629)].
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ» [رواه البخاري، رقم 2471 (3/ 135)].
وقد نصَّ الفقهاء على وجوب المحافظة على الطريق، وعدم جواز استعماله للمصالح الخاصة، قال زكريا الأنصاري: 'لَا يَتَصَرَّفُ أَحَدٌ فِي الشَّارِعِ غَرْسًا وَدَكَّةً -بِفَتْحِ الدَّالِ- أَيْ بِغَرْسِ شَجَرَةٍ فِيهِ، أَوْ بِنَاءِ دَكَّةٍ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (فِي) شَارِعٍ (وَاسِعِ) وَبِإِذْنِ الْإِمَامِ وَمَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ؛ لِمَنْعِهِ الطُّرُوقَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَقَدْ تَزْدَحِمُ الْمَارَّةُ فَيَصْطَكُّونَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ أَشْبَهَ مَوْضِعُهُمَا الْأَمْلَاكَ، وَانْقَطَعَ أَثَرُ اسْتِحْقَاقِ الطُّرُوقِ'. [الغرر البهية في شرح البهجة الوردية لزكريا الأنصاري (3/ 135)].
وحذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الجلوس في الطرقات إلا لحاجة، ومع مراعاة الحقوق، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ». [رواه البخاري، رقم 2465 (3/ 132)].
ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن إحداث ضرر في طرق الناس، وفي مكان جلوسهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». [رواه مسلم، رقم 269 (1/ 156)].
(اللاعنان: أي الأمران الجالبان للعن)، (يتخلى: أي يقضي حاجته).
وجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إماطةَ الأذى عن الطريق صدقة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» [رواه البخاري، رقم 2472 (3/ 135)].
وأخيرًا الإجارة عقد بين طرفين، ولها أركان وشروط، ومن أركانها المتعاقدان (المؤجر والمستأجر)، ومن شروط المؤجر أن يكون مالكًا للشيء المؤجَّر، كأن ملكه بعقد بيع أو هبة أو غيرهما من أسباب الملك، فمن لم يكن مالًكا فهو فضولي فلا يصح بيعه ولا إجارته، لحديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». [رواه أبو داود، رقم 3505 (3/ 302)].
وعليه فلا يجوز إجارة الرصيف أو الوقف؛ لأنه ملك عام لا تملكه الأفراد، ومن فعل ذلك فالعقد باطل، والمؤجر غاصب وظالم، ولا يجوز للمستأجر إبرام عقد باطل، وعلى ولي الأمر (الجهات المختصة) أن تراقب الأمر وتمنع التغول على الملك العام/ وتحافظ على حق الطريق والملك العام عمومًا.
[ينظر: القوانين الفقهية (ص163)؛ الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (3/ 135)؛ المغني (12/ 90)].
والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة