الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27- 28].
والاستئذان في الإسلام خلق عظيم، وأدب راق، وسياج منيع ومريح من الإزعاج والإحراج، كما ويحافظ على العلاقات الاجتماعية، وفيه امتثال لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وما أجمل الامتثال لأمر الله ورسوله: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)، فالرجوع بعد الثلاث فضيلة واحترام وليست قطيعة.
ويقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58].
ترشد الآية إلى وجوب استئذان ملك اليمين وغير البالغين عند الدخول وخاصة في أوقات العورات؛ لحاجة الناس إلى الراحة والاستئناس فيها وعدم الإزعاج، وإذا كان هذا في حق الصغار فمن باب أولى في حق البالغين.
ومعنى العورة الخلل والنقص وما يجب ستره ولا يجوز النظر إليه إلا للضرورة.
ومعنى قوله تعالى: 'ثلاث عورات لكم' أوقات عورات يغلب فيها كشف العورة، وليس أن الوقت عورة، وهي قبل صلاة الفجر ووقت القيلولة (الظهر) وبعد صلاة العشاء.
فالاستئذان واجب في هذه الأوقات؛ لأنها مظنّة كشف العورات، وهذا يؤكد على مقصد الستر والحياء داخل البيت.
والاستئذان ثلاثًا أدب من آداب النبوة علمنا إياه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، أدب يعلي من قدر الإنسان، فهو يحفظ خصوصيات الفرد ويحافظ على حرماته.
يستأذن المرء ثلاث مرات، فإن أذن له بالدخول دخل، وإلا رجع من غير غضب ولا حرج، فعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قال: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ. فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. هَذَا أَبُو مُوسَى. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. هَذَا الْأَشْعَرِيُّ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ. رُدُّوا عَلَيَّ. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول (الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ)...» [رواه مسلم رقم 2154 (3/ 1696)].
والاستئذان فيه احترام الخصوصية وعدم الإلحاح والإزعاج.
والرسالة النبوية ربانية المصدر تصلح لكل زمان ومكان، فالنصوص مرنة في تطبيقها ومدى مواكبتها للواقع.
فالاستئذان ليس محصورًا في الطرق على أبواب البيوت، بل ينتظم كل وسائل الدخول، ومن أهمها وسائل التواصل المعاصرة من هاتف ومحمول وواتس ونحوها.... حيث ظهرت صور جديدة من الاستئذان لا بد من مراعاة الأدب في استخدامها، فيلتزم المسلم بأدب الاستئذان فيها كما يلتزم في البيوت.
فإذا أراد أحد زيارة غيره استحب له الاستئذان قبل القدوم عيه، فإما أن يستأذن في البيت أو عبر الهاتف رسالة أو اتصالًا، فإذا اتصل فليكن ثلاثًا لا أكثر، ولا يتحول الهاتف إلى أداة إزعاج، فبعض الناس يكرر الاتصال كثيرًا ليزعج صاحب الهاتف أو يحرجه، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فاضبط الأمر، واتصل ثلاثا فقط، ولا تُلحّ في الطلب، ويمكنك ترك رسالة تفصح فيها عما تريد وانتظر الرد.
وأخيرًا لا بد من بث هذا الأدب الرفيع في ثقافتنا الرقمية المعاصرة، فكما نحترم أدب البيوت نحترم أدب التواصل مع الآخرين، ولنتأدب بأدب النبوة، فالخصوصية راحة ومعتبرة، والاحترام مطلوب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة